السيد كمال الحيدري
25
فلسفة الدين (مدخل لدراسة منشأ الحاجة إلى الدين وتكامل الشرائع)
القرب بقولها ) عِنْدَكَ ( أي : إني أريد بيتاً مجاوراً لك ، ومن الواضح أنّ هذا التعبير كنائىّ ، فليس للربّ بيت في الجنّة حتى يجاوره بيت آخر ، وليس القرب بينهما جسمانياً حتى يكون مكان أقرب إليه من مكان آخر ، والألفاظ قاصرة عن ذلك ، فلابدّ من التعبير بمثل هذه العبارات ، بمعنى أنّى أريد أن لا يكون بيني وبينك فصل وحجاب . قال الطباطبائي في ذيل الآية المباركة : « إنّ الإيمان إذا كمل تواطأ الظاهر والباطن وتوافق القلب واللسان ، فلا يقول الإنسان إلّا ما يفعل ولا يفعل إلّا ما يقول ، فيكون ما يرجوه أو يتمنّاه أو يسأله بلسانه هو الذي يريده كذلك بعمله . وإذ حكى الله فيما يمثّل به حالها ويشير إلى منزلتها الخاصّة في العبودية دعاء دعت به دلّ ذلك على أنّه عنوان جامع لعبوديتها ، وعلى ذلك كانت تسير مدى حياتها ، والذي تتضمّنه مسألتها أن يبنى الله لها عنده بيتاً في الجنة وينجّيها من فرعون وعمله وينجّيها من القوم الظالمين ، فقد اختارت جوار ربّه والقرب منه على أن تكون أنيسة فرعون وعشيقته » « 1 » . إذاً منشأ القرب والبعد إلى الله تعالى هو الغفلة ، فمن كان غافلًا عن الله تعالى فهو بعيد عنه . وهذه الحقيقة نجدها من خلال مجموعة من الإضاءات التي أكّدها أهل البيت عليهم السلام . فعن إسحاق بن عمار قال : قال أبو عبد الله عليه السلام : « يا إسحاق خف الله كأنّك تراه ، وإن كنت لا تراه فإنّه يراك » « 2 » . فالعامل الأساسىّ في القرب الإلهى هو أن تجعل نفسك حاضراً بين يديه تعالى .
--> ( 1 ) الميزان في تفسير القرآن ، السيد الطباطبائي : ج 19 ، ص 344 . ( 2 ) الكافي ، مصدر سابق : ج 2 ص 68 .